وسط الحرب والدمار.. طلبة غزة يواصلون تعليمهم الجامعي بشق الأنفس

وسط الحرب والدمار.. طلبة غزة يواصلون تعليمهم الجامعي بشق الأنفس
تقارير وحوارات

غزة/ آية عبد العال:
لم يعد الوصول إلى الجامعة في قطاع غزة يبدأ من بوابة حرم جامعي، بعدما ألحقت الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أضرارًا واسعة بمؤسسات التعليم العالي، وأجبرت آلاف الطلبة على مواصلة دراستهم إلكترونيًا أو في مقرات بديلة، وسط تراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم.
ومع محاولات الجامعات إبقاء العملية التعليمية مستمرة عبر التعليم الإلكتروني وإعادة تشغيل عدد محدود من القاعات للتخصصات العملية، يواجه الطلبة تحديات متراكمة تبدأ بالرسوم ولا تنتهي عند الإنترنت والكهرباء والمواصلات والتدريب العملي.
وبحسب تقييم مشترك أعدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، ومؤسسة AWRAD، تضرر أو دُمر 95% من الحُرُم الجامعية في قطاع غزة، ودُمر 22 حرمًا جامعيًا بالكامل، فيما قُدرت الخسائر المباشرة بنحو 373 مليون دولار، وتأثر نحو 88 ألف طالب وطالبة بالحرب.
عقبات وتحديات
وتقول شهد عبد الله، النازحة من شمال القطاع والمقيمة في مدرسة الحساينة بالنصيرات، إنها اضطرت إلى تأجيل التحاقها بالجامعة عامًا كاملًا، لعدم قدرة أسرتها على توفير الرسوم الدراسية، في ظل النزوح وبطالة والدها وتزايد الاحتياجات الأساسية.
وتوضح أنها تمكنت لاحقًا من توفير رسوم الفصل الدراسي الأول والالتحاق بالجامعة الإسلامية، لكنها ما تزال تواجه صعوبة في تأمين الإنترنت لمتابعة المحاضرات، إلى جانب تكاليف المواصلات، خاصة مع عقد بعض المحاضرات حضوريًا.

أما شيرين المدهون، فتستذكر ما واجهته خلال العام الدراسي السابق، حين حاولت الدخول إلى بوابة الطالب الإلكترونية قبل أحد الامتحانات، لتجد أن الوصول إليها متوقف إلى حين تسديد الرسوم الدراسية المستحقة.
وتقول المدهون إن التعليم الإلكتروني أتاح للطالب مواصلة الدراسة، لكن عدم تسديد الرسوم قد يحرمه من الوصول إلى جدوله ومواده وامتحاناته، ما يضطر بعض الطلبة إلى تأجيل مواد أو إعادة تسجيلها في وقت لاحق، خاصة خلال الامتحانات النهائية التي تتطلب تسديد المستحقات كاملة.
وتوضح المدهون أن المشكلة لا تقف عند الرسوم، إذ تتطلب الدراسة عن بُعد اتصالًا مستقرًا بالإنترنت، وهو ما لا يتوفر بصورة دائمة للطلبة في مراكز النزوح والمناطق السكنية المتضررة، ما يدفعها قبل الامتحانات الإلكترونية إلى التنسيق مع مزود خدمة الإنترنت لضمان استقرار الاتصال، خشية أن يؤدي انقطاع الشبكة إلى فقدان جزء من وقت الامتحان وخسارة علامات لا ترتبط بمستواها العلمي.

أزمة التخصصات العلمية والمنح
ويقول طالب التحاليل المخبرية محمد حماد إن دراسة التخصصات العلمية أصبحت أكثر تعقيدًا خلال الحرب، في ظل محدودية المختبرات والقاعات التي أعيد تشغيلها، وصعوبة الوصول إلى أماكن التدريب بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات والظروف التي فرضتها الحرب.
ويوضح أن طلبة الطب والهندسة والتخصصات التي تعتمد على المختبرات والتدريب العملي يواجهون صعوبات أكبر، لأن بعض المقررات تحتاج إلى حضور عملي ومباشر لا يمكن تعويضه بالكامل عبر التعليم الإلكتروني، ما يترك فجوة بين الجانب النظري الذي يمكن متابعته عن بُعد والمهارات التطبيقية التي تتطلب مختبرات وتجهيزات وتدريبًا حضوريًا.

ويشير حماد إلى أن هذه الظروف تحد من فرص الطلبة في استكمال التدريب العملي واكتساب المهارات التطبيقية اللازمة لتخصصاتهم.

ولا تقف الصعوبات عند الدراسة والتدريب، إذ يجد بعض المتفوقين أنفسهم عاجزين عن الالتحاق بالتخصصات التي يطمحون إليها بسبب تكاليف التعليم.

وتقول الطالبة هند المصري، الحاصلة على 98% من الثانوية العامة في الفرع العلمي، إنها كانت تطمح إلى دراسة الطب، لكن ارتفاع تكاليف الدراسة والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرتها حالا دون التحاقها بالتخصص.

وتوضح أنها تواصلت مع جامعات وجهات داعمة بحثًا عن منحة تساعدها على دراسة الطب، لكنها لم تتمكن من الحصول على الدعم رغم تفوقها الدراسي، مؤكدة تمسكها بمواصلة تعليمها وعدم التخلي عن طموحها.

محاولات لتخفيف أعباء الطلبة

ويقول محمود عطالله، مدير شؤون الطلبة في جامعة الأقصى، إن الجامعة اتخذت إجراءات للتخفيف من أعباء الرسوم عن الطلبة، شملت تقديم منح وإعفاءات، والسماح بتسجيل الساعات الدراسية دون دفع الرسوم بصورة فورية، بهدف مساعدتهم على مواصلة تعليمهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويوضح أن هذه الإجراءات تأتي في وقت تواجه فيه الجامعات نفسها ضغوطًا مالية، بعدما أثرت الحرب في قدرتها على تحصيل الإيرادات، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمباني والمختبرات والمنشآت الجامعية.

وتؤكد وثيقة صادرة عن اللجنة الطارئة لجامعات غزة أن الحرب أضعفت قدرة الجامعات على مواصلة عملها، مع تراجع الإيرادات والحاجة إلى تمويل عاجل لاستمرار العملية التعليمية وإعادة تأهيل المختبرات وتوسيع برامج الإعفاءات والمنح للطلبة.

التعليم بين الحاجة والقدرة المالية

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة الرسوم الجامعية لا تنفصل عن الوضع الاقتصادي العام في القطاع، إذ تواجه الأسر التي فقدت مصادر دخلها خلال الحرب أولويات متزايدة تشمل الغذاء والعلاج والإيواء، ما يجعل توفير تكاليف التعليم تحديًا إضافيًا.

ويضيف أن استمرار التعليم العالي في غزة لا يمكن أن يبقى مسؤولية الجامعات وحدها، في ظل حجم الأضرار التي لحقت بالمؤسسات وتراجع قدرتها على تمويل العملية التعليمية.

ويؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تدخل حكومي ودولي لتوسيع برامج المنح وتوفير التمويل اللازم لاستمرار المؤسسات الأكاديمية، معتبرًا أن الحفاظ على الجامعات لا يتعلق بالتعليم فقط، وإنما بالحفاظ على الكفاءات التي سيحتاج إليها قطاع غزة خلال مرحلة إعادة الإعمار.

التعليقات : 0

إضافة تعليق